حسن الأمين
47
مستدركات أعيان الشيعة
الثانية ، سوى أن أحد المؤرخين الفرنسيين ذكر أن « أبدال خان » لما أعاد الكرة ثاني مرة على جيش « مصطفى خان قاجار » لم يكن قد بقي معه من فرسانه غير ثلاثمائة فارس ، وأن مائتين ممن كانوا معه في الحملة الأولى قد ذهبوا بين قتيل وجريح . فلم يكن هجومه . الثاني غير إقدام على الانتحار ، إذ كيف يستطيع ثلاثمائة فارس زعزعة جيش مجهز لا تقل عدته عن خمسة آلاف محارب ؟ ! وكانت نتيجة هذه الحملة أن أبيد جند « أبدال خان » عن آخرهم . وأصيب « أبدال خان » بثلاث رصاصات فقضى نحبه . معركة مرج إيرج أصبح من غير المعقول أن يتابع « لطف علي خان زند » الهجوم على شيراز . ولكنه انصرف إلى ممارسة حرب العصابات . فكان يغير ليلا ونهارا على مواقع « مصطفى خان قاجار » فيقتل وينهب ثم يتوارى مبديا منتهى البراعة والخفة والشجاعة . وأخذ يقطع الطريق على حاملي العلوفة والمئونة من نواحي فارس إلى الجيش القاجاري فيسلبها منهم ، ومن قاومه قتله . ولكنه كان يعف عن التعدي على غيرهم من المسافرين المترددين بين البلاد لا يتعرض لهم بسوء ولا يسلب منهم شيئا مما يحملون . وقد أتعبت هذه الغارات المتواصلة « مصطفى خان قاجار » واضطرته إلى تجنيد فرقة قوية من الجند ترافق حاملي العلوفة والمئونة . وفي أثناء ذلك كان « لطف علي خان زند » لا ينفك يجمع حوله الرجال ويجندهم في جيشه ، وجيشه يزداد عدة يوما فيوما ، وينتظر الوقت الذي يحصل فيه على جيش قوي يستطيع أن يهاجم به شيراز ويحتلها . وكان « مصطفى خان قاجار » لا ينفك يتعقبه من مكان إلى مكان محاولا اعتقاله فلا يظفر به ، إذ كان يفر من مكان إلى مكان بكل براعة وخفة حتى أعجزه . عندئذ أرسل « مصطفى خان قاجار » رسالة إلى « آقا محمد خان » يطلب فيها نجدة ، وإلا استحال عليه القبض على الأمير الزندي . فبعث إليه « آقا محمد خان » جيشا من ستة آلاف جندي يقودهم « جان محمد خان قاجار » . وفي إحدى الليالي أغار « لطف علي خان زند » على معسكر « مصطفى خان قاجار » وأوشك « جان محمد خان قاجار » أن يقتل ، وفر جميع جنوده . وظل « لطف علي خان زند » يمارس حرب العصابات ويجمع حوله الرجال إلى سنة 1206 هإذ أناب « آقا محمد خان » ابن أخيه « خان بابا جهان باني » عنه في الحكم ، أو نصبه حاكما على طهران كما في رواية أخرى ، وجهز جيشا سار به بنفسه قاصدا إلى فارس ليقمع « لطف علي خان زند » . فلما وصل « آقا محمد خان إلى مرج يعرف باسم » مرج إيرج « علم أن » لطف علي خان زند « قصده بجيشه ليهاجمه في ذلك المرج . وكان الوصول إلى المرج يقتضي عبور واد بين جبلين يعرف باسم » مضيق إيرج « . فأقام » آقا محمد خان « على مدخل المضيق فرقة من جيشه تصد المهاجمين عن الدخول فيه . وأقام فرقة أخرى على طرف المضيق الآخر النافذ إلى المرج . وبذلك قطع الطريق على « لطف علي خان زند » . ولكن هذا صعد مع فريق من جنوده من وراء التلال المحيطة بالمضيق من الجانبين إلى أعالي التلال . صعدوا إليها زحفا على صدورهم بمنتهى الحذر خوفا من أن يكون « آقا محمد خان » قد أقام عليها حرسا . وأبقى « لطف علي خان زند » فريقا آخر من جنده قريبا من مدخل المضيق . فلما وجدوا أعالي التلال خالية من الحرس انحدر « لطف علي خان زند » مع رفاقه منها إلى قاع الوادي . وكانت العلامة بينهم وبين من ظلوا خارج المضيق أن يطلقوا أصواتا كأصوات طير الفاختة ، وكان سماع صوتها ليلا مألوفا في تلك النواحي . وكان المضيق نفسه خاليا من جند « آقا محمد خان » ، إذ اكتفى بحراسة طرفيه ليمنع الدخول فيه والنفوذ منه . وأطلق الذين انحدروا إلى أرض المضيق أصوات الفاختة ، وهجموا على حراس طرفي المضيق من الداخل وهجم رفاقهم من الخارج على حرس المدخل ، فتغلبوا عليهم وقتلوا أكثرهم وجرح آخرون وأسر الباقي وكان بين القتلى قائد الجند المكلف بحراسة المضيق . ووقعت هذه المعركة في ليلة الثاني والعشرين من شهر صفر سنة 1206 ه ، ولم تطل أكثر من ساعة واحدة ، دخل بعدها « لطف علي خان » إلى المرج . وكانت عدة فرسانه ألفي فارس ، أفرد منهم سبعمائة فارس على حدة وجعلهم احتياطا ، وهجم بثلاثمائة وألف فارس على معسكر « آقا محمد خان » . واقترب من خيمته . ولولا استماتة حرس هذا في الدفاع عنه لقتله « لطف علي خان » . وأحاط حوالي ألف جندي من جنود القاجاري ب « لطف علي خان » حتى قطعوه عن رجاله وظل وحيدا بينهم . ولولا ظلام الليل وامتناعهم عن إطلاق الرصاص عليه محاذرة أن يصيب بعضهم بعضا بالرصاص بسبب الظلام لقتل « لطف علي خان زند » لا محالة . وكان هو أيضا غير قادر على محاربتهم بالسلاح الناري إذ كان ما في يده منه قد خلا من الرصاص وقد أعجله ضيق الوقت عن ملئه ، فهجم على محاصريه بالطبر واستطاع أن يشق صفهم وأفلت من حصارهم . وغادر معسكر « آقا محمد خان » والتحق بالاحتياطي الذي كان قد أفرده على حدة من جنده ، وخرج بهم من مرج « إيرج » ، وسار قاصدا إلى « كرمان » . ولم يقصد إلى شيراز لأن ذهابه إليها سيوقعه بين نارين ، جيش « الحاج إبراهيم خان كلانتر » من داخل شيراز وجيش « آقا محمد خان » من خارجها . وقد أصبح عاجزا عن معاودة حرب العصابات بسبب كثافة الجيوش التي تجمعت في فارس لحربه . فكانت « كرمان » أنسب مكان يستطيع فيه جمع جيش جديد للحرب . دخول آقا محمد خان إلى شيراز بعد انكسار « لطف علي خان زند » في مرج « إيرج » ، وانطلاقه في طريق « كرمان » ، سار « آقا محمد خان » قاصدا إلى شيراز . فخرج « الحاج إبراهيم كلانتر » إلى استقباله على بعد خمسة فراسخ من شيراز . ونصب الفساطيط لاستقباله . فلما رآه هوى بوجهه إلى الأرض وقبل التراب بين يديه . ثم دخل « آقا محمد خان » إلى شيراز بين مظاهر التجليل والإعظام . وفي رواية أن « آقا محمد خان » أمر ، بعد دخوله إلى شيراز باجلاء نساء « لطف علي خان » وأبنائه إلى « أسترآباد » . وذكر جماعة من المؤرخين أن نساءه هتكت أستارهن . ثم أرسل رسالة إلى « أبو الحسن خان » ( 1 ) حاكم « كرمان » يأمره فيها
--> ( 1 ) ذكر « مهدي بامداد » في كتابه « شرح حال رجال إيران » أن « أبو الحسن خان » هذا هو جد « آقا خان » زعيم الإسماعيليين المعروف .